القاضي التنوخي

260

الفرج بعد الشدة

تدور ، فجعل رجله عليها فوقفت ولم تدر . فعجب الناس ، وقال : من فيكم يتقدّم ؟ فجاء رجل أيّد شديد ، فأخذ بيده ، ورمى به كالكرة ، وجعله تحت رجله الأخرى ، فما قدر أن يتحرّك . وقال : قدّموا غلّتي إلى الطحن وإلّا كسرت الرحى ، وكسرت عظام هذا . فقالوا : يا هذا هات الغلّة ، فجئت بها ، فطحنت ، وفرغت منها ، وجعلتها في الأعدال . وقال لي : قم . قلت : إلى أين ؟ قال : إلى منزلك . قلت : لا أسلك الطريق وحدي ، فإنّه مخوف ، ولكن أصبر حتى يفرغ أهل قريتي ، وأرجع معهم . فقال : قم وأنا معك ، ولسنا نخاف - بإذن اللّه عزّ وجلّ - شيئا . فقلت في نفسي : من كانت تلك القوّة قوّته يجب أن آنس به ، فقمت ، وحملت الغلّة على الحمير ، وسرنا إلى أن جئنا إلى قريتي ، ولم نلق في طريقنا بأسا . فلمّا دخلت إلى بيتي ، خرج والدي وإخوتي ، وعجبوا من سرعة ورودي بالغلّة ، ورأوا الرجل ، فسألوني عن القصّة ، فأخبرتهم . وسألنا الرجل أن يقيم في ضيافتنا ، ففعل ، فذبحنا له بقرة ، وأصلحنا له سكباجا ، وقدّم إليه ، فأكل الجميع بنحو المائة رطل خبزا . فقال له أبي : يا هذا ، ما رأيت مثلك قطّ ، فأيّ شيء أنت ؟ ومن أين معاشك ؟ قال : أنا رجل من الناحية الفلانيّة ، واسمي شدّاد ، وكان لي أخ أشدّ بدنا وقلبا منّي ، واسمه عاد ، وكنّا نبذرق « 2 » القوافل من قريتنا إلى مواضع كثيرة ، ولا نستعين

--> ( 2 ) البذرقة : حماية المسافر وخفارته ، راجع ما كتبه أحمد تيمور في مجلّة المجمع العلمي العربي بدمشق ج 8 م 3 .